نظم نحو 200 من أهالي جزيرة الوراق، صباح الثلاثاء، مسيرة صامتة إلى مقر جهاز تنمية مدينة الوراق الجديدة، وسلموا نائب رئيس الجهاز قائمة مطالب خدمية ومعيشية، على أن يعود ممثلوهم الثلاثاء المقبل لتلقي رد رسمي عليها.
يكشف هذا التحرك اتساع فجوة الثقة بين سكان الجزيرة والسلطات، بعدما تحولت وعود التطوير إلى سنوات من التضييق ومنع البناء وتراجع الخدمات، بينما يخشى الأهالي أن تنتهي الخطة الحكومية بإخراجهم من أرضهم لصالح مشروعات استثمارية مرتفعة القيمة.
وبداية، مثّلت المسيرة أول فعالية ميدانية لحركة باقون في جزيرة الوراق التي أعلن تأسيسها قبل أيام، في رسالة واضحة بأن السكان يحاولون تنظيم رفضهم الجماعي لخطة الإخلاء، مع التمسك بمسار سلمي يضع مطالبهم أمام الجهة المنفذة مباشرة.
وفي المقابل، لم يرفع المشاركون شعارات صاخبة أو يدخلوا في مواجهات، بل اختاروا الصمت وتسليم قائمة مكتوبة، وهو ما منح التحرك طابعًا احتجاجيًا منضبطًا، وقلل مساحة الذرائع الأمنية التي استُخدمت سابقًا لتبرير التضييق حول المعديات ومداخل الجزيرة.
كذلك، تضمنت القائمة مطلبًا جوهريًا بتخصيص قطعة أرض داخل الجزيرة لبناء مساكن بديلة لأهلها وفق برنامج زمني واضح وشروط عادلة، بما يعكس رفضًا صريحًا لفكرة نقل السكان إلى أطراف بعيدة عن شبكاتهم الاجتماعية ومصادر رزقهم.
وفوق ذلك، طالب الأهالي بإنهاء القضايا المتعلقة بعدد من شباب الجزيرة، بعدما ظل بعضهم مهددًا بإعادة القبض رغم الإفراج عنهم، وهو ملف يراه السكان وسيلة ضغط مرتبطة بمقاومتهم لخطط الإخلاء واحتجاجاتهم المتكررة منذ سنوات.
ومن جهة أخرى، شملت المطالب استعادة خدمات تسجيل المواليد وتصاريح الوفاة وتوفير الأطباء والأدوية وإزالة مخلفات البناء، وهي احتياجات أولية تكشف أن النزاع لم يعد مقتصرًا على الأرض والسكن، بل امتد إلى تفاصيل الحياة اليومية والحقوق الأساسية.
وبالتوازي، طالب السكان بإعادة مكتب البريد لخدمة أصحاب المعاشات وتوفير سيارات لكسح الصرف الصحي وتشغيل مركز الشباب، ما يعكس شعورًا متراكمًا بأن الخدمات العامة تتراجع في الجزيرة كلما تصاعد تمسك الأهالي بالبقاء ورفض عروض الانتقال.
وعليه، فإن انتقال نحو 200 شخص إلى مقر الجهاز لم يكن مجرد تحرك خدمي محدود، بل محاولة لإجبار الإدارة على التعامل مع سكان الجزيرة باعتبارهم أصحاب حقوق ومصالح مباشرة، لا مجرد عائق أمام مخطط عمراني ضخم تقوده الدولة.
حقوق السكن قبل الاستثمار
يرى المحامي مالك عدلي أن ما يجري في الوراق يقترب من مفهوم التهجير القسري عندما يصبح الضغط وسيلة لدفع السكان إلى الرحيل، مؤكدًا أن نزع الملكية لا يبرر إهدار حقوق السكان أو تحويل التطوير العقاري إلى أولوية فوق حياتهم.
وبحسب عدلي، فإن التفاوض العادل يظل المسار الأكثر مشروعية، خصوصًا عندما تكون الأرض مخصصة لمشروعات استثمارية وعقارية، لأن التعويض لا ينبغي أن ينفصل عن أسعار السوق، كما يجب أن يستفيد السكان الأصليون من التطوير بدل إقصائهم لصالح المستثمرين.
وفي هذا السياق، يكتسب مطلب تخصيص أرض بديلة داخل الجزيرة أهمية مضاعفة، لأنه يطرح حلًا يحافظ على الروابط الاجتماعية والمهنية للسكان، ويحول دون استخدام التعويضات أو الوحدات البعيدة كأداة عملية لتفكيك المجتمع المحلي وإعادة توزيعه خارج موطنه.
كما أن التجربة السابقة مع البدائل الحكومية أظهرت طرح وحدات وأراض في مناطق أخرى، بينما يتمسك قطاع من الأهالي بالبقاء داخل الجزيرة، وهو اختلاف جوهري لا يمكن اختزاله في قيمة التعويض، لأن القضية تتصل بالمكان والهوية وشبكات المعيشة.
ومن ثم، تبدو مطالبة الأهالي بجدول زمني وشروط واضحة محاولة لسد باب القرارات المنفردة، إذ يخشى السكان أن يؤدي الغموض إلى استمرار الهدم والمنع والتفاوض الفردي، بما يضعف قدرتهم الجماعية على حماية مصالحهم ويفرض حلولًا متفرقة عليهم.
في الوقت نفسه، يضع ملف القضايا المفتوحة ضد شباب الجزيرة بُعدًا آخر للنزاع، لأن بقاء أشخاص تحت احتمال الملاحقة يعمق الإحساس بأن التفاوض يجري في بيئة غير متكافئة، ويجعل أي حديث عن الرضا الكامل محل شك واسع.
لهذا، فإن إنهاء تلك القضايا يمثل بالنسبة للحركة شرطًا لتهدئة حقيقية، لا مطلبًا منفصلًا عن أزمة السكن، لأن السكان يربطون بين الاحتجاج على الإخلاء وبين ملاحقات لاحقة يرون أنها تعاقب المجتمع المحلي على رفضه التخلي عن الأرض.
ومع ذلك، لا تظهر في المطالب دعوة لوقف أي تطوير مطلقًا، بل تتركز على المشاركة وضمان البقاء والخدمات والإنصاف، وهو ما يفند تصوير الأزمة بوصفها مواجهة بين دولة تريد التحديث وسكان يرفضون تحسين بيئتهم العمرانية.
الخدمات تحت ضغط الإخلاء
يشدد المحامي أحمد الصعيدي، رئيس مجلس أمناء المؤسسة المصرية للحقوق البيئية، على أن مشروعات التطوير يجب أن تسبقها دراسات أثر بيئي ومشاركة حقيقية للسكان، معتبرًا أن الاستماع للمجتمعات القائمة شرط جوهري لأي تنمية تراعي الحقوق والاستدامة.
وبناءً على ذلك، فإن تراجع الخدمات الصحية والصرف والبريد داخل الجزيرة لا يمكن فصله عن مسار التطوير، لأن حرمان مجتمع قائم من خدمات أساسية ثم مطالبته بالانتقال يخلق ضغطًا غير مباشر يدفع السكان إلى قبول بدائل لم يختاروها.
أيضًا، يعيد هدم الوحدة الصحية قبل سنوات ثم إعادة بنائها بأموال السكان طرح سؤال مسؤولية الدولة، إذ يصبح الأهالي مطالبين بتمويل خدمات يفترض أن تكون عامة، بينما تستمر خطط استثمارية بمليارات الجنيهات في المساحة نفسها التي تعاني نقص المرافق.
وعلاوة على ذلك، يرتبط مطلب إدخال مواد البناء بحق السكان في صيانة منازلهم واستمرار حياتهم، بينما يؤدي المنع الطويل إلى تدهور المباني ورفع كلفة البقاء، بما يحول القيود الإدارية تدريجيًا إلى وسيلة تدفع الأسر نحو البيع أو الرحيل.
أما الكمائن القريبة من المعديات، فيراها الأهالي جزءًا من منظومة تضييق يومية بسبب التفتيش المتكرر بحثًا عن مواد البناء، وقد تحولت هذه النقاط أكثر من مرة إلى بؤر احتكاك، بدل أن تكون مجرد إجراءات أمنية عابرة.
لذلك، فإن رفع تلك القيود يأتي ضمن تصور أوسع لإعادة الحياة الطبيعية إلى الجزيرة، حيث لا يمكن فصل حرية الحركة عن حق السكن والعمل والخدمات، خصوصًا في مجتمع يعتمد على المعديات بوصفها شريان الاتصال الرئيسي بالمناطق المحيطة.
العمران لا يبرر الاقتلاع
يوضح الباحث العمراني يحيى شوكت أن الحق في السكن الملائم لا يقتصر على وجود سقف، بل يشمل أمان الحيازة والمرافق والقدرة على تحمل الكلفة وملاءمة الموقع، وهي معايير تجعل نقل السكان بعيدًا مسألة تتجاوز التعويض المالي وحده.
وفي ضوء ذلك، يظهر مشروع الوراق بوصفه اختبارًا مباشرًا لفكرة التنمية التي تضع قيمة الأرض الاستثمارية في مواجهة حق المجتمع القائم، فكلما ارتفعت الجدوى التجارية للموقع ازدادت الحاجة إلى ضمانات تمنع تحويل السكان إلى الطرف الأضعف.
وأخيرًا، يمنح قرار ممثلي الحركة العودة الثلاثاء المقبل للجهاز فرصة محدودة لاختبار جدية الاستجابة، فإذا جاء الرد بخطة واضحة وضمانات مكتوبة فقد يفتح باب تفاوض مختلف، أما تجاهل المطالب فسيعيد إنتاج الأزمة بأشكال أشد توترًا.

